محمد جمال الدين القاسمي
479
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يمكنه الاهتداء بها . وهو في مقام الكسب باقي الاستعداد . ولم يبق هناك شيء من ذلك . قيل : العمى حقيقة فيمن لا يدرك المبصرات ، لفساد حاسته ، مجاز في عمى البصيرة وهو عدم الاهتداء إلى طريق النجاة . وقيل : هو حقيقة فيهما . وعليه جوز أن يكون ( أعمى ) الثاني أفعل تفضيل . لأنه من عمى القلب لا عمى البصر . ويجوز أن يصاغ من العيوب الباطنة أفعل تفضيل كالأحمق والأبله . لطيفة : قال الناصر : يحتمل أن تكون هذه الآية قسيمة الأولى . أي فمن أوتي كتابه بيمينه فهو الذي يبصره ويقرؤه . ومن كان في الدنيا أعمى غير مبصر في نفسه ، ولا ناظر في معاده ، فهو في الآخرة كذلك ، غير مبصر في كتابه ، بل أعمى عنه أو أشد عمى مما كان في الدنيا ، على اختلاف التأويلين . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 73 إلى 74 ] وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ( 73 ) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ( 74 ) وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إخبار عن تأييده تعالى رسوله ، صلوات اللّه عليه وسلامه ، وتثبيته وعصمته وتولي أمره وحفظه . فإن المشركين ، لكثرة تفننهم في ضروب الأذى وشدة تعنتهم وقوة شكيمتهم ، كادوا أن يفتنوه . ولكن عناية اللّه وحفظه ، هو الذي ثبت قدمه في مثل مقامه في الدعوة إلى اللّه الذي لا يثبت فيه أحد غيره . وقد روي أن ثقيفا قالوا ؛ لا نؤمن حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب : لا ننحني في الصلاة ، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا ، وإن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها . فإن خشيت أن يسمع العرب : ( لم أعطيتهم ما لم تعطنا ) فقل : اللّه أمرني بذلك . وروي أن قريشا قالوا : لا ندعك يا محمد أن تستلم الحجر الأسود حتى تمس آلهتنا . وقالوا أيضا : نؤمن بك إن تمس آلهتنا . قال الإمام الطبريّ : يجوز أن تكون الفتنة فما ذكر . وأن تكون غير ذلك . ولا بيان في الكتاب ولا في خبر يقطع العذر أي ذلك كان . فالأصوب الإيمان بظاهره حتى يأتي ما يجب التسليم له ، ببيان ما عني بذلك منه .